ابن كثير

94

البداية والنهاية

قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت : فقال [ له ] النجاشي : هل معك شئ مما جاء به [ عن الله ] ؟ [ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ] ( 1 ) . فقال له جعفر ! نعم : قال هلم فاتل علي مما جاء به ، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [ حين سمعوا ما تلا عليهم ] . ثم قال [ لهم ] : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى ، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا ( 2 ) . فخرجنا من عنده وكان أتقى ( 3 ) الرجلين فينا عبد الله بن [ أبي ] ربيعة . فقال عمرو بن العاص : والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم ( 4 ) ، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد . فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا . فقال : والله لأفعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عنه . فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلها ، فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم ( 5 ) عنه ؟ فقالوا : نقول والله الذي قاله الله فيه ، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر : نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودا ( 6 ) بين أصبعيه فقال : ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد . فتناخرت بطارقته . فقال : وإن تناخرتم والله ! اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض - السيوم الآمنون في الأرض ، ومن سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب . وقال زياد عن ابن إسحاق ما أحب أن لي دبرا من ذهب . قال ابن هشام : ويقال زبرا ( 7 ) وهو الجبل بلغتهم . ثم قال النجاشي : فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه . ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها . وأخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به . قالت : فأقمنا مع خير جار في خير دار ، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في

--> ( 1 ) سقطت من ابن هشام واستدركت من دلائل النبوة للبيهقي . ( 2 ) العبارة في ابن هشام : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون . ( 3 ) من ابن هشام ، وفي الأصول ونسخ البداية المطبوعة : أبقى وهو تحريف . وفي الدلائل : أبقى . ( 4 ) خضراءهم : شجرتهم التي منها تفرعوا . ( 5 ) في السيرة والدلائل : سألكم . ( 6 ) في الدلائل : عويدا . ( 7 ) في السيرة : ويقال : دبرا من ذهب ، والدبر : الجبل .